السيد كمال الحيدري
85
المذهب الذاتي في نظرية المعرفة
افتراض مصادرة فحواها أن هناك درجات من التصديق الموضوعي بديهية ومعطاة بصورة أولية ، وهذه الدرجات البديهية بحكم كونها معطاة بصورة أوّلية ليست مستنبطة بدورها من درجات أخرى لسائر التصديقات الموضوعية ، ولكن هذا لا يعني بطبيعة الحال أن كلّ درجة للتصديق لا يمكن استنباطها من الدرجات الأخرى للتصديق هي درجة بديهية ومعطاة بصورة أولية ، وبالتالي تمثّل القيمة الموضوعية لذلك التصديق ، لأنّ درجات التصديق الذاتي المنحرف عن خطّ التصديق الموضوعي كلّها درجات لا يمكن استنباطها من درجات سابقة ، وهي مع ذلك ليست درجات موضوعية ولا تمثّل القيمة الحقيقية للتصديق . ونكتفي الآن بالإشارة إلى أن من أهمّ الفوارق التي تتميّز بها تلك الدرجات الموضوعية للتصديق والتي تتمتع بالبداهة والعطاء المباشر عن الدرجات الذاتية التي يصطنعها التصديق الذاتي المنحرف ، أن كلّ درجة من تلك الدرجات الموضوعية للتصديق لا تتعارض مع سائر الدرجات الموضوعية للتصديقات الأخرى ، أي أن مجموعة الدرجات الموضوعية المعطاة بصورة أوّلية يجب أن لا يكون بينها تناقض . وأيّ مجموعة لوحظ التناقض بين الدرجات المختلفة المحدّدة ضمنها ، فإن هذا التناقض يبرهن على أن هذه المجموعة قد اندسّت فيها درجات ذاتية للتصديق وأن هذا هو سبب التناقض . من هنا كان أحد أساليب الكشف عن عدم كون درجة معيّنة للتصديق درجة موضوعية أوّلية أي معطاة عطاءً مباشراً ، إثبات أنها تناقض درجات أخرى للتصديق الموضوعي لا يمكن التنازل عن موضوعيتها .